طاهر سليمان حموده
193
جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )
إلى الشام ، وكسفر عمر بن الخطاب ، وكسفر عمرو بن العاص ، وعمارة بن الوليد إلى أرض الحبشة ، وكسفر الأعشى إلى الحيرة ومحبته لنصاراها مع كونه حجة في اللغة ، فعلقت العرب بهذا كله ألفاظا أعجمية غيرت بعضها بالنقص من حروفها ، وجرت إلى تخفيف ثقل العجمة ، واستعملتها في أشعارها ، ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربي الصحيح ، ووقع بها البيان ، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن ، فان جهلها عربي ، فكجهله الصريح بما في لغة غيره » « 1 » . بيد أن المنكرين لوجود ألفاظ أعجمية في القرآن لا يقبلون الأقوال التي حاولت التوسط بينهم وبين خصومهم الذين يذهبون إلى وجودها ، فابن فارس يرى خلوّ القرآن من الألفاظ الأعجمية ، وينكر على أبي عبيد رأيه فيقول : « فإن قال قائل : فما تأويل قول أبي عبيد فقد أعظم وأكبر ؟ قيل له : تأويله أنه أتى بأمر عظيم ، وذلك أن القرآن لو كان فيه من غير لغة العرب شيء لتوهم منه متوهم أن العرب إنما عجزت عن الإتيان بمثله لأنه أتى بلغات لا يعرفونها ، وفي ذلك ما فيه » « 2 » . ويتضح أن حجة ابن فارس لا يسندها الواقع اللغوي الصحيح ، لأن العرب القدماء قد وقع في أشعارهم ألفاظ معربة كالسجنجل في شعر امرئ القيس وشهنشاه في شعر الأعشى ، وغير ذلك كثير ، ولم يخرجهم ذلك عن النمط العربي السليم ، والأساليب العربية الصحيحة ، فوقوع ألفاظ معربة في القرآن لا يعني أنه نزل بجملة من اللغات ، وإنما نزل بالعربية بما احتوته من ألفاظ ذات أصول أجنبية تمثلتها العربية وصقلتها وفقا لخصائصها الصوتية والصرفية وأصبحت تستعمل بها ، وهذا أمر معروف في جميع اللغات . والسيوطي يذهب مع القائلين بوجود ألفاظ أعجمية في القرآن الكريم ، وقد دلّ على رأيه وضعه الكتاب الذي نتحدث فيه ، وسنرى له بعد قليل كتابا آخر يؤكد هذه الفكرة بيد أننا - في الحقيقة - لا نجد له - في هذا الكتاب المسمّى
--> ( 1 ) القرطبي : الجامع لأحكام القرآن ج 1 ص 68 ، 69 . ( 2 ) الصاحبي في فقه اللغة ص 29 ، 30 .